السيد محمد تقي المدرسي
280
من هدى القرآن
والسؤال هو : من يناديهم بهذا النداء ؟ . والجواب : أنه واقع حالهم كما يبدو لي - ، وكأنَّ كل من اطلع على وضعهم ناداهم بهذا النداء . ويظهر أن الآية توحي أيضاً بفكرة هامة هي : إن أي بشر يظلم نفسه أو يظلم الآخرين اغتراراً بعامل مادي ، فإنَّ العذاب سوف يأتيه انطلاقاً من ذلك العامل نفسه . فمثلًا قوم فرعون كانوا معجبين بالمياه المتدفقة عبر النيل ، حتى إنهم كانوا يعبدون الماء ، وكانوا يختارون في أول الربيع أجمل فتاة عندهم فيلقونها في نهر النيل قرباناً لهذا الإله ، وكان فرعون يقول : وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] ، فانتقم الله منهم انطلاقاً من ذلك الماء نفسه حيث أغرقهم فيه . وقوم عاد كانوا يفتخرون بالبيوت الصخرية وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ويتصورون أن تلك البيوت سوف تخلدهم وتمنع عنهم البأس ، فبعث الله سبحانه وتعالى إليهم برياح كانت تحطِّم هذه الصخور وتهدمها عليهم ، وهكذا غيرهم . فيكون معنى وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ارجعوا إلى تلك النعم التي بسببها انحرفتم وضللتم لكي تروها وهي تتحول عليكم نقمة . وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قبل أن ينحرف الإنسان ، ويظلم الآخرين من أجل الحصول على متاع الدنيا وحطامها ، عليه أن يسأل نفسه أولًا : هل هذه الأشياء ستنفعه يوم الجزاء ، وهل سترفع عنه العذاب عندما يقع ؟ ! وبعد أن يفكر في الأمر جيداً ، عليه أن يفعل ما يشاء ويتحمل المسؤولية في كل أعماله وتصرفاته . [ 14 ] قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ لقد اعترفوا بخطئهم وظلمهم ولكن الاعتراف جاء متأخراً ! حيث استمروا ينادون على أنفسهم بالويل حتى لحظة النهاية . [ 15 ] فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ لقد حصدهم العذاب حصداً كما تحصد المكائن الزراعية الضخمة السنابل ، فلم تقم هناك لأحد منهم قائمة ، ثم خمدوا كما تخمد الجمرة فلا حرارة ولا حركة . هدفية الخلق [ 16 ] لماذا يا إلهي فعلت هذا ؟ ! أليس هؤلاء عبادك ؟ ! أو لست أرحم الراحمين ؟ ! بلى ربنا أرحم الراحمين ولكنه خلق السماوات والأرض بالحق ، وهؤلاء تجاوزوا قيم الحق وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ إن هؤلاء اتخذوا الحياة لعباً فكان هذا مصيرهم .